14-1445-شوال
  • Your IP: 44.210.99.209
  • Visitors: 909843 - Members: 921
دخول الفيس بوك
English



ÇäÊ ÞÇÏã ãä ÓæÇáÝ ßæã ---> ســــوالف حمايـــــــــــة المستهــــــلك ---> المستهلك في الاسلام
Member äÔÑ Ýí: 3/29/2012

المستهلك في الاسلام

ÈæÇÓØÉ: لؤلؤة

أسئلة المستهلك:

إن معرفة المستهلك تحتاج إلى التعرف على أسئلة ستة، ومن ثم الإجابة عليها. وهي:

1-مَنْ هو المستهلك (who)؟

2-ماذا يشتري المستهلك (what)؟

3-لماذا يشتري المستهلك (why)؟

4-كيف يشتري المستهلك (how)؟

5-متى يشتري المستهلك (when)؟

6-مِنْ أين يشتري المستهلك (where)؟[1]

 

والإجابة على هذه الأسئلة ليست سهلة؛ إذ إن المستهلك هو نتاج مجموعة متداخلة من العوامل، التي حار في تفسيرها علماء السلوك والاجتماع والسلوك الاجتماعي وعلماء الإنسان ورجال الاقتصاد.

 

وأخيرًا، إلى أي شيء يهدف المستهلك، بعبارة أخرى مختصرة لماذا يستهلك؟.

 

1/2/2 هدف المستهلك:

إن الثورة الصناعية والعلمية، التي انطلقت أساسًا من إنجلترا، لتشمل فرنسا والسويد وألمانيا والولايات المتحدة، قد فتحت الأعين على حاجتين أساسيتين:

الأولى: تمثلت بالحاجة إلى المواد الأولية الأساسية لحركة التصنيع التي نمت لاحقًا بوتيرة عالية.

والثانية: تمثلت بالحاجة إلى الأسواق الاستهلاكية لتصريف المنتوجات.

 

ووراء هاتين الحاجتين وقف تغييران جوهريان أصابا المحتوى الداخلي للإنسان. وقد تمثل هذان التغييران في التالي[2]:

1- أن الهدف من الحياة هو السعادة، أي تحقيق أقصى متعة، أي إشباع أي رغبة أو حاجة ذاتية تعن للمرء (مذهب اللذة).

 

2- أن الأنانية والسعي لتحقيق المصلحة الشخصية، والجشع – وهي الصفات التي يولدها النظام من أجل تسيير أموره – تُفضي إلى الانسجام والسلام.

 

ذلك أن الثورة الصناعية والعلمية لم تحدث في بيئة خالية من أي محتوى فلسفي يمتد بنظرة جديدة إلى الله والإنسان والكون والحياة، أو على الأقل يسترجع مواقف قديمة في حُلّة جديدة، وفي هذا كله يستفيد من الشعور الجديد الذي جاء مع التقدم العلمي، أي الشعور الجديد المنبثق عن العلاقات الجديدة التي باتت تسود بينه وبين الأرض. وخلاصة هذا الشعور تفاقم الإحساس بالقدرة والعظمة والحرية.

 

وهكذا بدأ وكأن قوة جديدة بدأت تتشكل في داخل الإنسان تدفعه للإطاحة بكل ما يمس تلك الأحاسيس الثلاثة. وبات يكفي أن تُمون الفلسفة هذا الإنسان برؤية جديدة أو مستجدة لكي يحدث الانقلاب في بنية المجتمع وعلاقاته، فينتقل من نمط العلاقات الإقطاعية إلى نمط العلاقات الرأسمالية.

 

وخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، أخذ الفلاسفة يروجون لنظرية جديدة في الحياة تجعل الهدف الرئيسي منها هو تحقيق رغبات الإنسان. وهذا مفهوم مُهد له بعد أن توقف كلمة "كسب" عن أن تعني "الكسب الروحي" كما هو سائد في المفهوم اللاهوتي، وكما جاء لاحقًا عند الفيلسوف "اسبينوزا". فقد باتت كلمة "كسب" مقصورة على المحتوى المادي والربح النقدي، باعتبارها المدخل الرئيسي لتعظيم الإنسان لذاته. وبات شعور الإنسان بالاستعلاء والعظمة الذي أرهصت له الاكتشافات العلمية الجديدة والنظرات الفلسفية المستجدة، يمر عمليًا من خلال أن يعيش الإنسان لذاته لا لشيء آخر. وهذا يعني عمليًا من خلال أن يعيش الإنسان لذاته لا لشيء آخر. وهذا يعني عمليًا ضرب كل مرتكزات علاقات التعاضد والتعاطف والتكافل الاجتماعي الداخلي. فهذا "هوبز" مثلاً يعتبر "أن السعادة هي التقدم المطرد دائمًا من شهوة لشهوة"[3].

 

ويصل "لاميترى" إلى حد تحبيذ تعاطي المخدرات؛ حيث هي تعطي – على الأقل – وهمًا بالسعادة. ثم هناك "دي ساد" الذي يعتبر إشباع دوافع القسوة أمرًا مشروعًا طالما هو رغبة موجودة تطلب الإشباع[4].

 

هذا التحول في المحتوى الداخلي للإنسان هام جدًا، وتزداد هذه الأهمية عندما تقدم لنا اللذة بجذرها المادي كإجابة مقنعة لمعضلة الوجود الإنساني وممارسة هذا الوجود. فما يعني هذا المبدأ (الأنانية Egotism

 

يعني "أنني أريد كل شيء لنفسي، وأنني أجد المتعة في الاقتناء وليس في المشاركة، كما يعني أنني يجب أن أكون جشعًا، لأنه اذا كان هدفي هو التملك، فإنني أكون أكبر بقدر ماتزيد ملكيتي، ويجب أن أشعر بأنني خصم للآخرين جميعًا، لزبائني الذين أريد أن أخدعهم، ولمنافسّي الذين أريد أن أقضي عليهم، ولعمالي الذين أريد أن استغلهم، وإنني لا يمكن أن أشبع؛ لأنه لا حد لرغباتي، وإنني لابد من أن أحسد من يملك أكثر مما أملك، وأخاف ممن يملك أقل"[5].

 

هذا المبدأ يقدِّر أن "الأنا" هي المركز الذي يدور حوله كل شيء، وأن الملكية هي نمط العلاقة التي تحكم الإنسان بكل ما حوله. لكن ما يُمتلك أو يُحتاز هو الأشياء، لذا كان ضروريًا أن يتشيّأ كل شيء من حول الإنسان، حتى المشاعر والعواطف.

 

والملكية أو علاقات الاحتياز، هي جوهر الحياة الاقتصادية والسلوك الاقتصادي، لأنه لا اقتصاد دون تملك وامتلاك واحتياز. من هنا ارتفع الاقتصاد إلى المرتبة الأولى في دنيا المجتمع، باعتبار أن أي سلوك إنساني بات مضمونه مشبعًا بالاقتصاد. فأي سلوك هو سلوك اقتصادي مادامت غاياته الكسب المادي، سواء أكان هذا الكسب بالعنوان الأوّلي ماديًا أم بالعنوان الثانوي.

 

إن مذهبي اللذة والأنانية المفرطة، شكلا المبدأين الرئيسين اللذين صدرت عنهما إعادة تشكيل وبرمجة المحتوى الداخلي للإنسان وسلوكه، وفق قوالب مادية خالصة، وتجعل كل شيء خاضعًا لحسابات الربح والخسارة، وبالتالي خاضعًا للقياس. وهكذا، باتت صفة الكم هي السائدة بدلاً من صفة الكيف، إذ وحده الكم الذي يملك قابلية القياس. يقول أحد الباحثين: "إن مذهبي اللذة والأنانية، ما كانا ليظهرا كمبدأين مرشدين للسلوك الاقتصادي كدائرة خاصة من دوائر الحياة المجتمعية، لو لم يحدث تغيير حاسم في القرن الثامن عشر"[6].

 

فقبل القرن الثامن عشر، كان السلوك الاقتصادي في مختلف المجتمعات السابقة محكومًا بمبادئ أخلاقية، ومن ثم فان مقولات اقتصادية مثل: الثمن والملكية الخاصة، كانت عند اتباع الفلسفة المدرسية جزءًا من علم الأخلاق.

 

وأما رأسمالية القرن الثامن عشر فقد شهدت تغيرًا جذريًا، وعلى مراحل عدة، في مضمون السلوك الاقتصادي وخلفياته التي يصدر عنها. فلم يعد هذا السلوك مرتبطاً بالنظام الأخلاقي والقيم الإنسانية كما كان قبلاً.

 

وهكذا، بدأ النظام الاقتصادي بمثابة كائن قائم بذاته مستقل عما عداه خصوصًا الإنسان، سواء في إرادته أو في احتياجاته. وهذا يعني شيئًا أساسيًا هو أن الإنسان لم يعد سوى مجرد ترس في آلة ضخمة للإنتاج، ومجرد قدرة على الاستهلاك، هذه القدرة تتفاوت من فرد لآخر، لأن الاستهلاك يتوقف في النهاية على المقدرة على الشراء، وهذه بدورها تتوقف على الدخل الفردي للشخص. من هنا: "فإذا كان الإنسان قوة التهام، أو بالأحرى يتحدد وجوده بوصفه قوة التهام، لأنه ما لم يمتلك لا يوجد على الحقيقة، وبالتالي، ما لم يستهلك لا يوجد على الحقيقة، يصبح المطلوب أن يبقى هذا الإنسان في حالة جهد مستمر لتأمين أكبر مدخول ممكن يوفر له الحد الأقصى من الامتلاك والاستهلاك"[7].

 

وبعد، فما موقف الاقتصاد الوضعي من السلوك الاقتصادي بعد هذا التسلسل التاريخي المختصر؟

إن الكثير من جوانب النظرية الاقتصادية الوضعية يعتمد على مسلمة أساسية مفادها أن الإنسان أناني بطبعه وأن مصلحته الذاتية هي الحافز الأساس لسلوكه وقد استوحى الاقتصاديون الغربيون (الكلاسيك الجدد) من تلك المسلمة، المفاهيم التي تصلح لتفسير السلوك الاقتصادي كدالة المنفعة لمستهلك، وهدف الربح الذاتي للمنتج، وعلى هذا الأساس بُين القسم الأكبر من نظرية سلوك المستهلك ونظرية الإنتاج وخصائص التوازن العام في اقتصاد تنافسي. أدى هذا – كما يقول د. أنس الزرقا – إلى: "شدة اهتمام النظرية الاقتصادية التقليدية بدراسة وتحليل السلوك الاقتصادي الأناني، وقلة اكتراثها بدراسة السلوك الاقتصادي المدفوع بالإيثار أو الحوافز الأخلاقية"[8].

 

ثم يعلق د. الزرقا مشيرًا إلى أن: "رفض الاقتصاد الوضعي الاهتمام بالسلوك الايثاري إنما هو موقف قيمي مستتر ينسجم مع تمجيده لمبدأ "اليد الخفية[9]" في الاقتصاد القائل:- (بأن سعي كل فرد لمصلحته الذاتية يحقق بطريق غير مباشر مصلحة المجتمع) – أكثر مما يعبر عن مسلمة سابقة بأن السلوك الإيثاري هو فعلاً قليل الأهمية في واقع الحياة"[10] .

 

والحقيقة، أن هناك قوتين مؤثر تين في السلوك الإنساني هما الأثرة (الاستئثار – الأنانية Egoism) أي الحافز الذاتي أو الأناني، والإيثار (التفضيل preferably) أي الحافز الغيري أو الأخلاقي الذي يدفعنا لأداء الواجب بصرف النظر عن منفعتنا الذاتية.

 

إذن، أي نوع من السلوك الإنساني يهدف إليه المستهلك في استهلاكه؟

يشير الباحث – أولاً – إلى أن هناك ألفاظاً ومصطلحات تتداخل فيما بينها، مع أنها تُعطي معان متقاربة، وخاصة عند تناول هدف المستهلك، فهناك (المنفعة، والفائدة benefit و utility)، و(الإشباع، والرضا، والراحة Comfort satiation, وSatisfaction)، و(المتعة، والسرور، واللذة pleasure)، و (Happiness) (السعادة، والهناءة) [11].

 

كما أن المفاهيم والأفكار الأجنبية فردية ونفعية إلى حد كبير، فهي تستبعد حب الغير أو مراعاة الشخص لصالح الآخرين عند قيامه بالاختيار، وتختصر الافق الزمني إلى المستقبل القريب، إن لم يكن الحاضر. ومن ثم تعتبر الاهتمام بالآخرة بمثابة شيء مستبعد إن تلك الفكرة تميل إلى اعتبار الغايات غير الاقتصادية غير وثيقة الصلة عند إقامة الاختيار، عندما يأتي الأمر إلى ترجمة أشياء مثل المنفعة والإشباع والأرباح في إطار اقتصادي بحت[12].

 

هل نقبل تعدد الأهداف، أم نثبت على هدف واحد؟. ثم، هل هدف المستهلك الصالح الخاص، أم الصالح العام؟

هناك افتراضان أو مسلكان:

الافتراض (المسلك) الأول: يقول: "نستهلك للصالح الخاص أي المنفعة الذاتية"، وقد سلكه علم الاقتصاد الحديث بشكل عام، وأضاف إلى ذلك مبدأ تعظيم المنفعة (الحد الأقصى) يقول "جي هولتن ولسون" في كتابه "الاقتصاد الجزئي": "رغم أننا نستهلك سلعًا وخدمات كثيرة إلا أننا نادرًا ما فكرنا بأن نسأل أنفسنا، لماذا نستهلك بهذه الطريقة.. إننا نستهلك من أجل الحصول على بعض المنافع أو الإشباع"[13] ويؤكد بعض الباحثين ذلك بقولهم: "يهدف المستهلك في النظرية الاقتصادية الغربية إلى تعظيم منفعته الاستهلاكية من السلع والخدمات دون مراعاة المنفعة غيره من أفراد المجتمع"[14].

 

إن هدف المستهلك تعظيم المنفعة مسلمة عند الاقتصاديين العربيين، افترضوها وقالوا إن غاية الفرد الوصول إلى تحقيق تعظيم المنفعة.

 

ولو سلمنا جدلاً بذلك فما هي المنفعة؟ وبعبارة أخرى ما هو الإشباع الذي يُسعى إلىٰ تعظيمه؟

يقول "تشارلز كارتر": "معروف أن المنفعة قد استعملت أحيانًا للتعبير عن وحدة معينة من الكفاية والرضى، ومعروف أنه لأسباب فنية فإن فكرة المنفعة قد استبدلت بفكرة التفضيل"[15] يعلق أحد الباحثين فيقول: "إذا سألت عن ماهية هذا الاشباع قيل لك أنه لا يشيء غير ما يقرر المستهلك أنه يريده. فهم قد قبلوه مسلمة من المسلمات، وهربوا إلينا مذهب الفردية، بمعنى أن كل ماترغب فيه هو أمر مشروع"[16].

 

ثم إن افتراض أن المستهلك يسعى للحصول على أكبر قدر من المنفعة أو الرضا، يتطلب أن تكون جميع السلع والخدمات ذات مقام مشترك يسمى المنفعة أو الرضا. ويمكن قياسه أو على الأقل مقارنته بين السلع المختلفة. كما أنه – على حد قول أحد الباحثين – لا سلم بذلك، لأن "الفكرة غير مقبولة في ضوء وجود التسلسل الهرمي للحاجات الإنسانية، وحقيقة أن السلعة نفسها قد تخدم عددًا من الحاجات"[17].

 

الافتراض "المسلك" الثاني: يقول: "نستهلك للصالح العام إلى جانب الصالح الخاص" يقول أحد الباحثين إن الاقتصاديين الاجتماعيين: "ينادون بإعطاء أهمية أكثر للمسؤولية الاجتماعية للمستهلك مع مراعاة مصلحة المجتمع المحيط"[18].

 

إن المستهلكين إلى جانب رغبتهم الملحة في تلبية حاجاتهم (الأساسية وغير الأساسية) يهتمون أيضًا بالآخرين من أفراد المجتمع، وبخاصة بأولئك الذين تتعذر تلبية حاجاتهم الأساسية، إلى جانب الاهتمام بمصالح المجتمع ككل، مثل اهتمامهم بالبيئة والمحافظة على الموارد النادرة، ومستوى الاستخدام، وتوازن المدفوعات، وتكوين رأس المال.. الخ وهذه الاهتمامات تؤثر في اختيار الشخص للسلع والخدمات وكمياتها، هذا إلى جانب التأثير الناجم عن التغييرات التي تحدث في الأسعار.

 

إن الافتراض (المسلك) الثاني هو الراجح والصواب، ذلك أن الإنسان فطر على مراعاة مصلحة غيره وخاصة أفراد عائلته؛ وقد أوضح ذلك الاقتصاد الجزئي في دراساته، بَيْد أنه يذكر ثم يهمل.

 

إن افتراض الفردية لا يؤيده تاريخ البشرية، فمنذ بدأ الإنسان يعيش حياته، كان لابد من التعاون، يبدأ بنفسه ثم ينتقل بعد ذلك إلى غيره كأسرته، وأصدقائه وجيرانه، وهذا غريزة.

 

إن السلوك الأمثل[19] أن يتطلع الفرد في كل أنشطته ليرضى الله في كل سلوكياته، فكيف إذا وجد عنده قدرة وفي جواره فقير أو مسكين، هل يتجاهله؟!

 

ومن هنا ننتهى إلى القول بأن الافتراض الصحيح مع الاعتدال أي أن كل فرد يراعى مع مصلحته الذاتية منفعة الآخرين[20].

 

وقد أشار بعض الباحثين المسلمين إلى أن المستهلك المسلم: "يستهدف تحقيق أكبر قدر من الفلاح أو الحد الاقصى من الخير"[21].

 

بيد أن استهداف الحد الاقصى من الخير أو الفلاح لا يقتصر على المستهلك المسلم، بل يتعداه إلى غيره أيضًا[22].

 

وقد حاول أحد الباحثين الإجابة على سؤال: لماذا نستهلك؟ فقال: "يكون الجواب: نستهلك لأجل اللذة ولأجل الفائدة"[23]. ثم قام بتفصيل محاسن نظرية الاستهلاك فائدة، ومآخذ نظرية الاستهلاك لذة، حتى وصل إلى نظرية الإنقاذ أو نأكل لننقذ ونستهلك لننقذ[24].

 

وهناك أيضا نظرية الاستهلاك سعادة، يقول عالم الاجتماع "بوديار": "أنا أستهلك إذن أنا سعيد"[25]. فالسعادة الصناعية هي سعادة شراء السلع وتكديسها. ومن ثم لا تصبح السلعة تستهلك لذاتها وإنما لدورها أو مركزها.

 

وأخيرًا، هناك نظرية الاستهلاك وجود، ويقول "اريك فروم": "أنا موجود بقدر ما أملك وما أستهلك"[26]. فالاستهلاك عملية لها سمات متناقضة: فهو عملية تخفف القلق، لأن ما يمتلكه الإنسان خلالها لا يمكن انتزاعه، ولكن العلمية تدفع الإنسان إلى مزيد من الاستهلاك؛ لأن كل استهلاك سابق سرعان ما يفقد تأثيره الاشباعي. ويصبح الإنسان مشدودًا إلى خوفين: خوف على ما في يده، وخوف مما يريد ويشتهي.

 

مما سبق يتضح أن هناك هدفًا غائيًا نهائيًا للمستهلك المسلم هو عبادة الله وطلب رضاه ورجاء ثوابه والتقوى على العمل المثمر لصالحه وصالح مجتمعه المسلم. وأن هناك أهدافًا مرحلية وسائلية، فالمنفعة الذاتية والمتعة والسرور والرضاء والسعادة وغيرها وسائل لتحقيق الغاية النهائية.

 

جاء في الموسوعة العلمية والعملية لبنوك الإسلامية، تحت عنوان: "رضا المستهلك أم رضا الله": "ثم إن رضا المستهلك ليس هو الأولوية الأولى من منظور إسلامي ولكن رضا الله هو الأولوية الأولى"[27].

 

مما سبق كله، نخلص إلى ما يلي:

1- أن ما دأب الاقتصاديون على تقريره من أن هدف المستهلك من شراء سلعة أو خدمة هو الحصول على المنفعة أو الإشباع، لا يقدمنا خطوة إلى الأمام في فهم سلوك المستهلك ذلك أن الاقتصاديين قد بلغ بهم الحذر درجة جعلتهم يحددون معنى المنفعة أو الإشباع على نحو يجعله مرادفًا للطلب نفسه أو لعملية الشراء نفسها. فكانت النتيجة: "أنك إذا سألت الاقتصادي عن ماهية هذه المنفعة التي يهدف المستهلك إلى الحصول عليها لم يقل لك أكثر من أن هذه المنفعة "هي ما يريد المستهلك الحصول عليه"[28] وإذا سألت عما يحدث للمستهلك إذا حدث وحصل على السلعة، لم يقل لك الاقتصادي أكثر من أنه في هذه الحالة "يكون قد حصل على ما أراد الحصول عليه!.

 

2- أن ما يسميه الاقتصاديون المنفعة أو الإشباع ليس شيئا واحدًا متجانسًا، بل يمكن تصنيفه على حد رأي الاقتصادي الأمريكي "تيبور سكيتوفسكي" في كتابه "اقتصاد بلا بهجة"[29] – إلى شيئين متميزين: الراحة والمتعة.

 

3- أن هذه المنفعة تعبير إسلامي، مضمونه العام هو المصلحة والفائدة ومنع الضرر، وأنه لايعني مجرد اللذة والمتعة بما لها من أحاسيس وهي مقيدة شرعًا وغير مبالغ في الذهاب إليها، باعتبارها وسيلة إلى غاية أسمى.

 

4- أن الهدف النهائي من الاستهلاك وعند المستهلك المسلم هو نيل رضا الله سبحانه، والاستعانة على العبادة، والتقوى على العمارة.

 

5- أن هدف تعظيم[30] المنافع مقبولٌ من حيث المبدأ وإن اعترض عليه بعض الباحثين. يقول د. منذر تحف إن "الفرض الوضعي عن الحد الأقصى صحيح، ولكنه في الإسلام ليس مقصوراً على تحقيق القيمة القصوى للإشباع المادي، وإنما يشتمل أيضا على الإشباع الروحي في إطار القيم الإسلامية"[31].

 

وهذا د. شوقي دنيا يقول: "إننا لا نجد حرجًا في سعي الفرد المسلم إلى تكثير ما يحصل عليه من منافع في سلوكه الاقتصادي وغيره مع الأخذ في الحسبان أن المسلم له حياتان، دنيا وآخره، وأنه في كل سلوكياته يستهدف تحقيق أكبر نفع في الحياتين معًا"[32] ثم يؤكد قوله ذلك بأن: "المستهلك المسلم يستهدف أن يحصل على أكبر قدر ممكن من الإشباع من دخله المخصص للاستهلاك"[33] وأن ذلك لا يعد مخالفة إسلامية.

 

هذه بعض آراء القائلين بقبول فرض القيمة القصوى (تعظيم المنفعة) [34].

 

ويرى فريق آخر[35] عدم قبول فرض القيمة القصوى، فهذا د. حسين غانم يقول: "إن فكرة القيمة المثلى لا القصوى optimum not maximum أدق في التعبير"[36].

 

وهناك مَنْ يعترض على المدلول اللغوي للفظ "تعظيم" يقول أحد الباحثين إن: "استخدام كلمة "تعظيم" الشائع في الكتابات الاقتصادية كمقابل لكلمة Maximization، بمعنى الوصول إلى الحد الأقصى"[37] لا ينفق مع الاصطلاح اللغوي العربي حيث توحي كلمة "تعظيم" في العربية: "بالإجلال والتوقير، ولا يوحي اللفظ الأجنبي بذلك بالإجلال والتوقير، ولا يوحي اللفظ الأجنبي بذلك"[38].

 

ويرد باحث آخر فيقول: "يحسب البعض أن لفظ "التعظيم" لا يجوز استخدامه، فيجوز عندهم أن يقال "تعظيم الله" ولا يجوز أن يقال: تعظيم المنفعة أو تعظيم الربح أو تعظيم الناتج والصواب أن هذا جائز"[39].

 

إن الشواهد تؤكد أن تعظيم المنفعة مقبول شرعًا؛ كالقول بأن حب المال متأصل في الإنسان، وقد ذكر القرآن قارون فلم ينكر عليه غناه، ولكنه أنكر عليه عدم شكره للنعمة.

 

ثم إن الأصل في الأشياء الإباحة، ولم يثبت لنا نص يحرم هذا التعظيم.

 

وعليه، فمن حيث المبدأ فإن تعظيم المنفعة مقبول من الناحية الإسلامية، ضمن ضوابط معينة، ومنها: أن يكون ذلك متسقًا مع المفاهيم والتعاليم الإسلامية، من حيث النهي عن حياة الترف، والنهي عن الإسراف والتبذير، والاعتدال في الإنفاق.


Comments_Ico
 

el7

Member

Islam is the best

4/10/2012 5:54:00 PM Soha

من مزايا الشرع الإسلامي

Member

من مزايا الشرع الإسلامي النظرة المتوازنة لكل مناحي ومتطلبات الحياة

4/7/2012 7:15:00 PM 123
Topic_Separator
ÅÖÇÝÉ ÊÚáíÞ
  • ÇáÚäæÇä  
  • ÇáÊÚáíÞ  
 
ÊÓÌíá ÇáÏÎæá

جميع العلامات التجارية وحقوق التأليف والنشر على هذه الصفحة هي ملكية أصحابها. والتعليقات المنشورة هي ملكية واضعها على الموقع. والآراء التي يقدمها الأعضاء على هذا الموقع هي آراؤهم الخاصة ولا تعبر بالضرورة عن رأي قطركوم وقطركوم ليست مسؤولة عن أي مواد مقدمة إلى الموقع. وأي مادة يتم نشرها لا يتم الموافقة عليها أو مراجعتها من فبل صاحب الموقع


All trademarks and copyrights on this page are owned by their respective owners. Comments are owned by the Poster. The views reflected by members on this site are their own and do not necessarily reflect those of Qatarom.com. and is not responsible for any material submitted to the site. Any material posted is not endorsed, reviewed or approved by the Website Owner.